نبيه
19 Oct 2007, 04:14 PM
نبيه العطرجي - مكة المكرمة
سئلت اعرابية: ايهم احب اولادك الى قلبك؟ فأجابت: «الصغير حتى يكبر والغائب حتى يحضر والمريض حتى يشفى». اما بقية الاشقاء فغالبا ما يدفعون ثمن هذا التمييز العاطفي القسري للاهل. والنتيجة التي لا تنفع فيها وسائل التجميل هي: الغيرة. وفي حين لا ينكر احد ان الغيرة شعور انساني طبيعي، حتى بين افراد البيت الواحد، نجد ان معظم الناضجين يحاولون التظاهر بأنه يترفع شخصيا عن هذا الشعور، او يسعى الى التعبير عنه بأساليب ملتوية، تنعكس احيانا من خلال المنافسة في التفوق المهني او من خلال ملاحظات عابرة تنضح بالمرارة، يوجهها الابناء الى ذويهم في اعتراض مبطن. ولا بأس احيانا بملاحظة لامبالية ترد على سبيل المزاح. لكن الامر واضح: هي الغيرة التي يحملها اغلبنا في اعماقه منذ الطفولة، فتؤدي اما الى شعور بالذنب، يدفعه الى خنقها، معتبراً انها عاهة نفسية مخجلة، او الى شعور بالاضطهاد، يتفاعل ويخنق صاحبه، او يتفجر ليطيح علاقته مع اشقائه ويشوه هذه العلاقة فيحدث فيها شرخاً لا يزول الا بمقادير كبيرة من الوعي والتسامح والصراحة.
ولايمكن ان نحمل الاهل مسؤولية الغيرة المطلقه ، وانما ظروف العلاقة، عندما يسودها نوع من التفضيل ، ومظاهر الغيرة تبدأ لدى الطفل البكر المتعود على نظام حياة معين، فيشعر بالتهديد عندما يولد طفل آخر. ولتجنب هذا الشعور يفترض بالاهل ان يحرصوا على التعامل المتوازن مع الحالة الجديدة، مع عدم اعطاء البكر أكثر من الطاقة المطلوبة وافهامه ان الطاقة التي يأخذها شقيقه لا تؤثر على حصته. هذا من الناحية النظرية، اما عمليا فالمسألة صعبة وتحتاج الى توازن في شخصية الاهل، والام تحديدا، التي تضطر الى ممارسة ضغط ذاتي حتى تضبط الامور بشكل طبيعي ومن دون افتعال ، وكما هو معروف لا يوجد أب وأم يحبوا جميع اولادهم بنفس درجة الحب ، فنجدهناك نوع من التفضيل بين ولد وآخر ، والولد يلتقط بالعينين وبالغريزة اي تمييز قد يمارسه الاهل في لا وعيهم وينعكس على اولادهم، الذين تتأسس لديهم في الاعوام الثلاثة الاولى من حياتهم مكتسباتهم البشرية. ويصعب التخلص من هذه المكتسبات من دون علاج تحليلي جدي ومعمق ، فالغيرة سلبية لا ايجابيات فيها. وما يتعطل بسببها يحتاج اصلاحه الى اعوام طويلة من الجهد.
وهناك من يرى لولا الغيرة لكنا بقينا في العصر الحجري. فهي ظاهرة صحية، شرط ان يكون التعبير عنها محكوما بالقيم والقوانين الاخلاقية والوضعية. وكما اي نوع من المعاناة، لديها وجهان، الاول يؤدي الى الانسحاق، والثاني يدفع الانسان الى التعالي وتحقيق التقدم ، وأن الغيرة بين الاشقاء تحتاج الى من يطورها حتى تصبح بناءة ، وهي تترجم على ارض الواقع وفق مستويات عدة، منها ما ينعكس حسدا، فيشتهي الحاسد ما يملكه الآخرون، بدءاً بالاشقاء وانتقالاً الى من يمثل صورة الشقيق كالزميل في العمل او المدرسة. ويترجم هذا الحسد بإقدام الطفل على كسر العاب غيره، والناضج على الحاق الاذى بمن يحيط به من زملاء، سواء في علاقاتهم او اعمالهم. وهناك الغيرة الذاتية التي تدفع بصاحبها الى منافسة الآخر الشقيق او الزميل، ليصبح افضل، لتكون حافزه فيعطي احسن ما لديه ويطور نفسه، وهي التي تبلور مفهوم المنافسة ، وعن دور الاهل يرى فريق آخر أن المسؤولية تقع على الام والاب ضمنيا او عمليا في تفضيل ولد على آخر. ومعالجتها تكون بالتوضيح ان لكل ولد مكانته في الاسرة وهو مختلف عن الاخر و لا يقل اهمية عن غيره . الخطأ الكبير الذي يمارسه الاهل من دون وعي للتداعيات هو عندما يعيّر ولد بأخيه ، فهذه التصرفات تضع الأبناء أمام خط بياني مرسوم سلفا لسلوكهم النفسي المستقبلي. وغالبا ما تتكر هذه الأخطاء من جيل لآخر .
وأعنف تعبير عن الغيرة بين الاشقاء يظهر عندما تتداخل المسائل المالية او الاملاك الموروثة بالمكنونات النفسية، حينها تبرز الاطماع والعاهات النفسية التي تثير الاشمئزاز. وتنطبق مقولة «الاخوة الاعداء» على اشقاء فرقتهم المصالح. لا سيما عندما يعمد الاهل وهم على قيد الحياة الى تخصيص الذكور بحق الوراثة عبر الاحتيال على الشرع بعقود بيع وشراء صورية، لاعتقادهم ان توريث البنات يخرج الممتلكات المالية والعينية من العائلة الى زوج البنت واولاده ، فالغيرة قد تصل الى الاذى المعلن، وتحديدا عندما يرافقها الطمع، فينبري صاحبها الى سلب اشقائه حقوقهم وكأنه يقول لهم رمزيا انه الوحيد الذي يستحق اسم العائلة ، وهي من اصعب العاهات النفسية لانها تسبب عقدة نقص. والحل يكون بمواجهتها عبر تقوية طاقات تغير طبيعتها. وعوضا عن بقائها غيرة من الاخر تصبح غيرة على الاخر. وهذا لا يتم الا بدعم صاحبها لتقوي شخصيته. فالضعف يغذي الغيرة عدا كونه يسببها، وافضل المعالجات تتم من خلال نسج جو علاقات ثابت وقوي، وليس عبر التحدي وانما عبر الايجابية المبنية على الحب.
ومن أصدق من الله قيلاً { وقفوهم انهم مسئولون }
سئلت اعرابية: ايهم احب اولادك الى قلبك؟ فأجابت: «الصغير حتى يكبر والغائب حتى يحضر والمريض حتى يشفى». اما بقية الاشقاء فغالبا ما يدفعون ثمن هذا التمييز العاطفي القسري للاهل. والنتيجة التي لا تنفع فيها وسائل التجميل هي: الغيرة. وفي حين لا ينكر احد ان الغيرة شعور انساني طبيعي، حتى بين افراد البيت الواحد، نجد ان معظم الناضجين يحاولون التظاهر بأنه يترفع شخصيا عن هذا الشعور، او يسعى الى التعبير عنه بأساليب ملتوية، تنعكس احيانا من خلال المنافسة في التفوق المهني او من خلال ملاحظات عابرة تنضح بالمرارة، يوجهها الابناء الى ذويهم في اعتراض مبطن. ولا بأس احيانا بملاحظة لامبالية ترد على سبيل المزاح. لكن الامر واضح: هي الغيرة التي يحملها اغلبنا في اعماقه منذ الطفولة، فتؤدي اما الى شعور بالذنب، يدفعه الى خنقها، معتبراً انها عاهة نفسية مخجلة، او الى شعور بالاضطهاد، يتفاعل ويخنق صاحبه، او يتفجر ليطيح علاقته مع اشقائه ويشوه هذه العلاقة فيحدث فيها شرخاً لا يزول الا بمقادير كبيرة من الوعي والتسامح والصراحة.
ولايمكن ان نحمل الاهل مسؤولية الغيرة المطلقه ، وانما ظروف العلاقة، عندما يسودها نوع من التفضيل ، ومظاهر الغيرة تبدأ لدى الطفل البكر المتعود على نظام حياة معين، فيشعر بالتهديد عندما يولد طفل آخر. ولتجنب هذا الشعور يفترض بالاهل ان يحرصوا على التعامل المتوازن مع الحالة الجديدة، مع عدم اعطاء البكر أكثر من الطاقة المطلوبة وافهامه ان الطاقة التي يأخذها شقيقه لا تؤثر على حصته. هذا من الناحية النظرية، اما عمليا فالمسألة صعبة وتحتاج الى توازن في شخصية الاهل، والام تحديدا، التي تضطر الى ممارسة ضغط ذاتي حتى تضبط الامور بشكل طبيعي ومن دون افتعال ، وكما هو معروف لا يوجد أب وأم يحبوا جميع اولادهم بنفس درجة الحب ، فنجدهناك نوع من التفضيل بين ولد وآخر ، والولد يلتقط بالعينين وبالغريزة اي تمييز قد يمارسه الاهل في لا وعيهم وينعكس على اولادهم، الذين تتأسس لديهم في الاعوام الثلاثة الاولى من حياتهم مكتسباتهم البشرية. ويصعب التخلص من هذه المكتسبات من دون علاج تحليلي جدي ومعمق ، فالغيرة سلبية لا ايجابيات فيها. وما يتعطل بسببها يحتاج اصلاحه الى اعوام طويلة من الجهد.
وهناك من يرى لولا الغيرة لكنا بقينا في العصر الحجري. فهي ظاهرة صحية، شرط ان يكون التعبير عنها محكوما بالقيم والقوانين الاخلاقية والوضعية. وكما اي نوع من المعاناة، لديها وجهان، الاول يؤدي الى الانسحاق، والثاني يدفع الانسان الى التعالي وتحقيق التقدم ، وأن الغيرة بين الاشقاء تحتاج الى من يطورها حتى تصبح بناءة ، وهي تترجم على ارض الواقع وفق مستويات عدة، منها ما ينعكس حسدا، فيشتهي الحاسد ما يملكه الآخرون، بدءاً بالاشقاء وانتقالاً الى من يمثل صورة الشقيق كالزميل في العمل او المدرسة. ويترجم هذا الحسد بإقدام الطفل على كسر العاب غيره، والناضج على الحاق الاذى بمن يحيط به من زملاء، سواء في علاقاتهم او اعمالهم. وهناك الغيرة الذاتية التي تدفع بصاحبها الى منافسة الآخر الشقيق او الزميل، ليصبح افضل، لتكون حافزه فيعطي احسن ما لديه ويطور نفسه، وهي التي تبلور مفهوم المنافسة ، وعن دور الاهل يرى فريق آخر أن المسؤولية تقع على الام والاب ضمنيا او عمليا في تفضيل ولد على آخر. ومعالجتها تكون بالتوضيح ان لكل ولد مكانته في الاسرة وهو مختلف عن الاخر و لا يقل اهمية عن غيره . الخطأ الكبير الذي يمارسه الاهل من دون وعي للتداعيات هو عندما يعيّر ولد بأخيه ، فهذه التصرفات تضع الأبناء أمام خط بياني مرسوم سلفا لسلوكهم النفسي المستقبلي. وغالبا ما تتكر هذه الأخطاء من جيل لآخر .
وأعنف تعبير عن الغيرة بين الاشقاء يظهر عندما تتداخل المسائل المالية او الاملاك الموروثة بالمكنونات النفسية، حينها تبرز الاطماع والعاهات النفسية التي تثير الاشمئزاز. وتنطبق مقولة «الاخوة الاعداء» على اشقاء فرقتهم المصالح. لا سيما عندما يعمد الاهل وهم على قيد الحياة الى تخصيص الذكور بحق الوراثة عبر الاحتيال على الشرع بعقود بيع وشراء صورية، لاعتقادهم ان توريث البنات يخرج الممتلكات المالية والعينية من العائلة الى زوج البنت واولاده ، فالغيرة قد تصل الى الاذى المعلن، وتحديدا عندما يرافقها الطمع، فينبري صاحبها الى سلب اشقائه حقوقهم وكأنه يقول لهم رمزيا انه الوحيد الذي يستحق اسم العائلة ، وهي من اصعب العاهات النفسية لانها تسبب عقدة نقص. والحل يكون بمواجهتها عبر تقوية طاقات تغير طبيعتها. وعوضا عن بقائها غيرة من الاخر تصبح غيرة على الاخر. وهذا لا يتم الا بدعم صاحبها لتقوي شخصيته. فالضعف يغذي الغيرة عدا كونه يسببها، وافضل المعالجات تتم من خلال نسج جو علاقات ثابت وقوي، وليس عبر التحدي وانما عبر الايجابية المبنية على الحب.
ومن أصدق من الله قيلاً { وقفوهم انهم مسئولون }