المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القصة الفائزة في المسابقة ربع السنوية الأولى


صالح نصر الدين
0 24th January 2008, 03:0:09 PM
:21p:إنذار محدود وسرّي للغاية
محمد مكرم



كانتا متخاصمتين ، صعدت الأولى الحافلة تحمل على ظهرها حقيبة مدرسيّة ، تلفت تبحث عن مقعد فارغ جلست إلى جانب امرأة مسنّة في المقدمة. صعدت الثانية بعدها بقليل ولم تجد بداً من أن تجلس في المكان الخالي الوحيد ، إلى جانب شاب يضع نظّارة شمسية سوداء ، وضعت كتبها في حجرها وراحت تمسح عرقها المتصبب وتختلس النظرات إلى رفيقتها التي تجاهلتها عمداً ، فأخذت تنقل عينيها بين الركاب الذين كان معظمهم من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي المستغرقين في النوم.




أخذت السهول الممتدة تسير والتلال الخضراء تتوالى والحافلة تمضي ، كان الضوء ينعكس بشدة عن كل شيء فيتحول إلى وهج يحول دون تركيز النظر ، " إنه صيف غير عادي دون شك." قالت لنفسها." إنه شهر تموز ، فيه "يغلي الماء في الكوز" كما يقولون ، لا أدري أهو الحر الشديد الذي يضايقني ، أم صفاقة سمر ، لا بد أن تفرض رأيها عليّ ولو كان خاطئاً ، وذلك لأنها سبقتني إلى جامعة حيفا بسنة واحدة ، فهي تعرف كل شيء ، حيفا والطريق التي تؤدي إلى حيفا وأرقام الحافلات ومواعيدها وسككها ، حتى ما عليّ أن آكل أو ألاّ آكل ، هل يمكن لأحد أن يفسر لي ولو بسبب واحد لماذا علينا أن نركب الحافلة المتجهة إلى صفد ، بينما نحن ذاهبتان إلى الناصرة ، لكن لا ، هكذا تريد "المعلمة" سمر ، ولماذا؟ لأن الطرق حسب رأيها أقل زحاماً وأكثر أمناً ، ولكن متى سنصل إلى الناصرة ؟ غير مهم على ما يبدو لأننا في النهاية سنصل. آه كم أكرهك يا سمر ، لست أختي ولا حتى قريبتي ، كل ما في الأمر أنك كنت زميلة أختي الكبرى في المدرسة ، والآن عليّ أن أتحمل عجرفتك لأنك سبقتني إلى الجامعة. آه منك ، هل حقاً أكرهك ؟ لا أدري ، ولكنني أكره تسلطك ومعاملتك لي كطفلة صغيرة." رمت صديقتها بنظرة نافذة ثم فتحت كتاباً وراحت تجول فيه ببصرها دون أي تركيز. كان صوت المحرك واهتزاز الحافلة المستمر يولّدان في المرء شعوراً قاهراً بالنعاس تحت وطأة الحر الشديد ، استرخت في مقعدها وشد الاسترخاء جفونها بخيوطه الخفية فتثاءبت واضعة يدها على فمها محاولة مقاومته.

" ما اسمك ؟" باغتها سؤال لم تستبن منه شيء ، فانتبهت وجلست في مقعدها متحفزة تحاول السيطرة على حواسها ، " قلت ما اسمك ؟ ألا تعرفين العبريّة؟" إلتفتت إلى الشاب الجالس إلى جانبها وبصره مصوب إلى الزجاج أمامه لا يبدي أية حركة أو التفاتة كتمثال من الشمع ، فيما نظارته الشمسية السوداء تخفي تعابير عينيه.

- " إسمي عائشة ، وأنا أعرف العبرية جيداً ، فأنا طالبة في جامعة حيفا."

- " عائشة ‍ إذن أنت عربية ، وهل صديقتك عربية أيضاً ؟"

- " نعم ، نحن من سكان الناصرة."

بقيت تنتظر المزيد من أسئلته لكنه صمت فجأة كما تكلم فجأة ، فآثرت مواجهته بالصمت كما فعل . كان شاباً عاديا في بداية العشرين يبدو كأي يهودي آخر في هذه الحافلة ، ربما يكون قد أنصرف للتو من معسكره في إجازة كبقية الجنود يريد الالتحاق بأهله في صفد.

" تباً لهؤلاء اليهود" قالت لنفسها وهي تستعرض الركاب " أتعرفين العبرية يسألني ، ترى كم يعرف منها هو الذي جاء من روسيا بالأمس. تباً له لقد كان يراقبنا منذ دخلنا وأنت التي كنت أظنه نائماً خلف نظّارته السوداء ، أية كبرياء هذه التي يتكلم بها؟ إنه لم يكلف نفسه حتى عناء النظر إليّ ، إنها وقاحة مبعدها وقاحة ، نعم وقاحة . . "

أخذت تسترق النظر إليه محاولة استكشاف شخصيته ، شعر محلوق على الطراز العسكري ، وسروال من الجينز الأزرق ، وحذاء رياضي وفانيلا مكتوب عليها بالإنجليزية " إعملوا الأطفال لا الحرب."

امتدت يده إلى الكتب في حجرها فانتفضت كمن رأى ثعباناً أخذ قلماً من قبضتها وفتح كرّاسة وكتب فيها بضع كلمات ثم أعاد كل شيء إلى مكانه بهدوء وهي تنظر إليه مصعوقة غير قادرة على النطق بحرف فضلاً عن كلمة. نظرت في الكرّاسة فإذا هي تقرأ بحروف عربية واضحة

" عائشة

خذي صديقتك وانزلي في الموقف القادم ، شيء رهيب سيحصل لهذه الحافلة."



لم تصدق عينيها " إنه يعرف العربية ، ولكن كيف؟" قرأت الرسالة مرات ومرات وأخذت تنظر إليه وهو يتجاهلها بكل برود." شيء رهيب سيحصل لهذه الحافلة." رددت لنفسها " ماذا يمكن أن يحصل لهذه الحافلة ؟"نهضت من مكانها وقد سيطر عليها الرعب ومشت بخطى متأرجحة نحو سمر. هزتها من كتفها وهمست في أذنها :" هيّا ، يجب أن ننزل في لموقف القادم." لم تعرها سمر أي انتباه وقالت بهدوء " لم نصل إلى صفد بعد ، الطرق ما زال طويلاً أمامنا."

دار نقاش حاد قصير بينهما نجحت فيه عائشة بإجبار صديقتها ، طلبت سمر من السائق التوقف فتوقف باستغراب ، وأخذ الركّاب ينظرون إليهما وهما تنزلان في ذلك المكان المنعزل. أُغلق الباب ومضت الحافلة في طريقها مخلفة الفتاتان في موقف خال وموحش.

" هيّا ، أخبريني ما الذي جعلك تصرين على نزولنا في هذا الموقف المهجور ونحن ما زلنا في بداية الطريق؟ " صاحت سمر غاضبة.

- " لقد أخبرني بأن شيئاً رهيباً سيحصل للحافلة ، نعم الشاب الذي كان يجلس إلى جانبي لم يكن يهوديّاً لقد كتب لي ملحوظة بالعربية تقول بأن شيئاً رهيباً سيحصل لهذه الحافلة ، وطلب مني النزول."

- " هذا هراء . . نعم إنه هراء . . " انفجرت سمر صارخة وانفجرت معها الحافلة التي لم تكن قد ابتعدت كثيراً وتدفقت النيران من النوافذ وطار السقف في السماء وتناثرت الشظايا في كل مكان والحافلة مازالت تسير على الشارع ، فاحتضنت سمر عائشة بشدة وهما تراقبان.


نادي ابها الدبي مع التحيه

!~¤§¦عذبه¦§¤~!
0 14th February 2008, 03:0:30 AM
رووووووووووووووووعة قصة تجنن بحق

من حيث السرد و اللغة وليست بعيدة عن الواقع

يعطيك العافية اخي صالح على هالتحفة الأدبية

,,
’’