المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدر الثمين في كيف تكسب قلوب الآخرين


د. مبارك المصري
0 12th October 2011, 12:0:28 AM
كيف تكسب قلوب الآخرين

1/ الابتسامة: قالوا هي كالملح في الطعام، وهي أسرع سهم تملك به القلوب ، وهي مع ذلك عبادة وصدقة، ( فتبسمك في وجه أخيك صدقة ) كما في الترمذي، وقال عبد الله بن الحارث ( ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم)0
2/ البدء بالسلام: سهم يصيب سويداء القلب ليقع فريسة بين يديك ، لكن أحسن التسديد ببسط الوجه والبشاشة، وحرارة اللقاء وشد الكف على الكف، وهو أجر وغنيمة فخيرهم الذي يبدأ بالسلام، قال عمر الندي (خرجت مع ابن عمر فما لقي صغيراً ولا كبيراً إلا سلم عليه)، وقال الحسن البصري (المصافحة تزيد في المودة) والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق ). وفي الموطأ أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء ) قال ابن عبد البر هذا الحديث يتصل من وجوه حسان كلها.
3/ الهدية: لها تأثير عجيب فهي تذهب بالسمع والبصر والقلب ، وما يفعله الناس من تبادل الهدايا في المناسبات وغيرها أمر محمود ، بل ومندوب إليه على أن لا يكلف نفسه إلا وسعها، قال إبراهيم الزهري (خرّجت لأبي جائزته فأمرني أن أكتب خاصته وأهل بيته ففعلت، فقال لي تذكّر هل بقي أحد أغفلناه ؟ قلت: لا. قال: بلى، رجل لقيني فسلم علي سلاماً جميلاً صفته كذا وكذا ، اكتب له عشرة دنانير) انتهى كلامه.
انظروا كيف أثّر فيه السلام الجميل فأراد أن يرد عليه بهدية ويكافئه على ذلك.
4/ الصمت وقلة الكلام إلا فيما ينفع: إياك وارتفاع الصوت وكثرة الكلام في المجالس، وإياك وتسيد المجالس وعليك بطيب الكلام ورقة العبارة (فالكلمة الطيبة صدقة) كما في الصحيحين، ولها تأثير عجيب في كسب القلوب حتى مع الأعداء فضلاً عن إخوانك وبني دينك ، فهذه عائشة رضي الله عنها قالت لليهود ( وعليكم السام واللعنة) فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مهلاً يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله) متفق عليه، وعن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عليك بحسن الخلق وطول الصمت فو الذي نفسي بيده ما تجمّل الخلائق بمثلهما ) أخرجه أبو يعلى والبزار وغيرهما.
قد يخزنُ الورعُ التقي لسانه ****** حذر الكلام وإنه لمفوّه
5/ حسن الاستماع وأدب الإنصات وعدم مقاطعة المتحدث: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقطع الحديث حتى يكون المتكلم هو الذي يقطعه، ومن جاهد نفسه على هذا أحبه الناس وأعجبوا به بعكس الآخر كثير الثرثرة والمقاطعة، واسمع لهذا الخلق العجيب عن عطاء قال : ( إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد ) .
6/ حسن السّمت والمظهر وجمال الشكل واللباس وطيب الرائحة: فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله جميل يحب الجمال ) كما في مسلم. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:( إنه ليعجبني الشاب الناسك نظيف الثوب طيّب الريح )، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل :( إني ما رأيت أحداً أنظف ثوباً و لا أشد تعهداً لنفسه وشاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوباً وأشده بياضاً من أحمد بن حنبل)0
7/ بذل المعروف وقضاء الحوائج: سهم تمْلُك به القلوب ، وله تأثير عجيب صوّره الشاعر بقوله :
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ****** فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
بل تملك به محبة الله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أحبُ الناس إلى الله أنفعهم للناس ) ، والله عز وجل يقول ﴿ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (195) سورة البقرة0
عجباً لمن يشتري المماليك بماله ، كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه ، ومن انتشر إحسانه كثر أعوانه.
8/ بذل المال: فإن لكل قلب مفتاح، والمال مفتاح لكثير من القلوب خاصة في مثل هذا الزمان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار ) كما في البخاري0 .
فلماذا هذا الشح والبخل؟ ولماذا هذا الإمساك العجيب عند البعض من الناس؟ حتى كأنه يرى الفقر بين عينيه كلما هم بالجود والكرم والإنفاق.
9/ إحسان الظن بالآخرين والاعتذار لهم: فما وجدت طريقاً أيسر وأفضل للوصول إلى القلوب منه، فأحسن الظن بمن حولك وإياك وسوء الظن بهم ، وأن تجعل عينيك مرصداً لحركاتهم وسكناتهم، واسمع لقول المتنبي:
إذا ساء فعل المرءِ ساءت ظنونه ****** وصدّق ما يعتاده من توهٌّمِ
عوّد نفسك على الاعتذار لإخوانك فقد قال ابن المبارك ( المؤمن يطلب معاذير إخوانه ، والمنافق يطلب عثراتهم ).
10/ إعلان المحبة والمودة للآخرين: فإنه سهم يصيب القلب ويأسر النفس ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله فليخبره أنه يحبّه ) كما في صحيح الجامع ، وزاد في رواية مرسلة: ( فإنه أبقى في الإلفة وأثبت في المودة )، لكن بشرط أن تكون المحبة لله ، وليس لغرض من أغراض الدنيا كالمنصب والمال، والشهرة والوسامة والجمال ، فكل أخوة لغير الله هباء ، وهي يوم القيامة عداء. قال تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ (67) سورة الزخرف 0
وللأسف ، فالمشاعر والعواطف والأحاسيس الناس منها على طرفي نقيض ، فهناك من يتعامل مع إخوانه بأسلوب جامد جاف مجرد من المشاعر والعواطف ، وهناك من يتعامل معهم بأسلوب عاطفي حساس رقيق ربما وصل لدرجة العشق والإعجاب والتعلق بالأشخاص. والموازنة بين العقل والعاطفة يختلف بحسب الأحوال والأشخاص، وهو مطلب لا يستطيعه كل أحد لكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.
11/ المداراة: فهل تحسن فن المداراة؟ وهل تعرف الفرق بين المداراة والمداهنة؟ روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ( أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة ، فلما جلس تطلّق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه ، فلما انطلق الرجل ، قالت له عائشة يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم تطلّقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا عائشة متى عهدتّني فاحشاً؟ ( إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس لقاء فحشه). قال ابن حجر في الفتح: (وهذا الحديث أصل في المداراة) ونقل قول القرطبي: ( والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، وهي مباحة وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا )0
إذاً فالمداراة لين الكلام والبشاشة للفساق وأهل الفحش والبذاءة ، أوّلاً: اتقاء لفحشهم، وثانياً: لعل في مداراتهم كسباً لهدايتهم بشرط عدم المجاملة في الدين، وإنما في أمور الدنيا فقط ، وإلا انتقلت من المداراة إلى المداهنة فهل تحسن فن المداراة بعد ذلك؟ كالتلطف والاعتذار والبشاشة والثناء على الرجل بما هو فيه لمصلحة شرعية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مداراة الناس صدقة ) أخرجه الطبراني وابن السني. وقال ابن بطال:( المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة ).

د. مبارك المصري
0 12th October 2011, 12:0:51 AM
جزاكم الله خـــــــــــــيرا